يبدو هذا عنوان فِلمٍ أليس كذلك ؟
تتخطى الحقيقةُ الخيال أحيانا .
هل يمكن إعتبار التجمع الدستوري الديمقراطي مجرّد حزب سياسيّ كغيره من الأحزاب ؟ أم أن مضمونه يتجاوز شكله ليتخذ أبعادا أخرى أكثر عُمقا و خطورةً ؟
و بقاياه...هل تكفل الوسائل العاديّةُ القضاء عليها ؟ أم أنه لا سبيل لإستئصالها سوى إعتماد آليّات أجدى و أكثر فاعليّة؟
دراسة تكشف الغطاء عن التشابه القائم بين التجمع و بين مافية ال " كوزانوسترا " بإيطاليا ... و ما إعتمدته السلطات الإيطالية للتصدي لها
سيتناول المقال فكرتين :
• أوجه الشبه بين التجمّع الدستوري الديمقراطي و الكوزانوسترا :
• عدم كفاية المقاومة البسيطة للتجمع و ضرورة وجود آليّة ضدّ "المافيا" مكيّفةً و مطابقة لنموذج ناجح ألا وهو النموذج الإيطالي.
المافيا هي منظمة إجرامية منظبطة مبنية على شكل هيئة مخصوصة و مقيّدة بقواعد جامدة و جدّ محدّدة.
سنأخذ في هذا الصّدد مثال الكوزانوسترا للتشابه بينها و بين التجمع :
ممّا لا شكّ فيه أنّ التجمع إستعمل آليّات عدّة مشابهة لتلك المستعملة من قبل المافيا و ذلك على مستوى التمويل ( فأغلب الموظفين يُخصم مبلغ من رواتبهم لفائدة خزينة التّجمّع دون موافقة منهم ) و كذلك على مستوى النفوذ ( فالمنخرطون في هذا الحزب يتمتعون بإمتيازات خاصّة لا حقّ لمواطن "عاديّ" التمتّع بها)
لا نقصد في هذه الدراسة بالتجمع ،الحزبَ السياسيّ فقط بل كلّ منظمة "المافيا" المحيطة بهذا الحزب الذي إبتعد عن منشإه البورقيبي منذ عقود مضت .
لم تستطع مافية التجمع شأنها شأن الكازا نوسترا التّواجدَ إلاّ كبديل لنظام لم يعد قائما ( تزامن النشأة مع غياب الأمن في المناطق الرّيفيّة بالنسبة للكوزانوسترا و عدم قدرة بورقيبة على القيام بمهامه كما ينبغي بالنسبة للتجمع) .
يمثل كلا الجهازين ثقلا هامّا في المشهد السّياسي ( يجب التنبيه إلى أنّ المافيا لا يسترعي إهتمامها الخونةُ فقط، فرجل سياسة صالح يدافع عن وطنه ، ينفع الإقتصاد، و ما هو نافع للإقتصاد هو نافع بدوره لهم ) في وطنهما و يضمن كلٌّ منهما حليفا ضمن وسائل الإعلام.
يتمثل الجُرم في : ألوان شتّى من المضاربة ، و القيام بتهريبات غير قانونيّة للحصول على صفقات جدُّ مربحة و يكمن كذلك في ضمان الإمتثال لقانون الصّمت ، التعذيب ، الإغتيالات ،و الإختطاف .. لقد شهدت مدن صقليّة من الأهوال ما شهدته الطّوابق السّفليّة لوزارة الدّاخليّة التّونسيّة.
من المهمّ لمنظمة المافيا هذه إقتحام ميدان الآقتصاد و التّطفّل عليه غايتها من ذلك تبييض الأموال أوّلا ( لقدرتهم على إخفاء الأموال المُختَلسَة و لوجود دول تمثّل مهربا من الضرائب الإقتصاديّة ) و لمزيد التّوسّع و تشسيع مملكتها ( في مجال التّأمين ، التّوزيع ، التّجارة ، البنوك ..) ثانيا .
و أخيرا و إلى جانب النظام الصارم ( أي قانون الصمت "الأخلاقي" الذي يمكنه إيجاد طريقه للتّجسّد عبر إقامة تحالفات إستراتيجيّة مع نخبة معيّنة مع العائلات ) تقوم المافيا على بنية تفاضليّة هرميّة في تركيبتها ( الرّئيس، القائد، الأنصار..) مرتبطةً بإمتداد نفوذ "العائلة" المستمِدّة لقوّتها و مشروعيّتها من الإخضاع الإجتماعي المتمثّل في الإبتزاز ،المديونية ، الضغط المادي ،إقامة المحاكمات الوهمية ،إنتزاع الحقوق ...

لوضع حدّ لأضرار نظام بن علي قامت الحكومة بتعليق عضويّة هذا الحزب و تجميد أمواله و ممتلكاته هدفها إضعافُ حزب سياسيّ هو في شكل مافيا وطنيّة من أكثر المافيات تنظيما في العالم. فالرّئيس يتصدّر البلاد على المستويات الإقتصاديّة ، الإعلاميّة و السياسية أمّا أعوانه فهم مجهّزون برعاية فائقة ، و ينشطون تحت غطاء صلب ألا وهو الشرطة الوطنيّة.
أدّى إحكام القبضة هذا على المجال الإقتصادي و المؤسسات العمومية إلى إستئصال أي محاولة للمعارضة و إلى تحييد كلّ منافس حتّى و إن كان سياسيّا. أمّا ما يُرتكب من جرائم فهو عامّ و لا يُصدر عقاب ضدّه . أمّا النظام القضائيّ ذاته فقد إنتشر فيه و في محاكمه الفسادُ . و مع آلاف الأعضاء المنخرطين فيها كما تبيّن ذلك عشية ١٤ جانفي، تخطت هذه المافيا الوطنية كثيرا إطارها القانوني الأوّل أي الإدارة التونسية و هيئات الحكم الوطنية.
لا تمثل مقاومة سياسية و قانونية عاديّة سوى مصلحة رمزيّة شكليّة ، فمثلا ، من بين وسائل القطع مع نظام بن علي السّابق التي تمّ إتّخاذها، هي إقالة المسؤولين ( و رجال السياسة المتورطين معهم ) من مهامهم الإداريّة في المؤسسات الحكمية و ذات السيادة . هذه الإقالة من شأنها إقصاء عناصر جدّ خطيرة من المسؤوليّات القانونيّة ، فبهذه الطريقة لن يستطيع وزيرٌ أن يصدر قرارا قانونيّا بإسم وزارته ، غير أنّ عصابة الرجل السياسي المخلوع هي التي ستمكنه من مواصلة العمل و إصدار قرارات بالرغم من أنّه سبِق و إن رُفِض ، فمن الجليّ أنّ هذا النفوذ ليس قانونيّا بقدر ما هو سياسيّ . في الواقع، لن تُفسد العلاقة بين رئيس المافيا و أتباعه إذا تدخلت بينهما علاقة ،مهنيّة هذه المرّة، ستضمحل بعد ذلك.
و على وجه الخصوص فإن الترتيب التفاضليّ الذي قامت عليه المافيا الوطنيّة مثلما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا، يتخطّى الإطار القانوني و الدستوري ليبلغ العلاقات الاقتصادية و الاجتماعية ( المصالح العامة، ملفات الابتزاز، تهديدات إجرامية.. )
و لهذا السبب الجليّ بالذات فإنّ شنّ مقاومة عادية بالصور التي تم إعطاءها في المثال السابق ، لا يكفي لوضع حدّ لآلةٍ لا زالت على قيد الحياة ، آلةٌ لم تخسر سوى مجموعة من رؤساءها الذين ، و ككلّ مافيات العالم ، سيتمّ تعويضهم بورثة من أسرهم أو من نفس المافيا.
لقد وعتْ إيطاليا التي تُعَدُّ سبّاقةً في مجال مقاومة منظمّات المافيا بهذا ، و كرّست نظام مقاومة فعّال .
سُبُلُ مقاومة هذه المافيا الوطنيّة :
في دولة القانون لا يمكننا إتهام أيّ طرف دونما إثباتاتٍ، وهي إثباتاتٌ من الصّعب الحصول عليها نظرا لندرة تصريحات الشهود، بسبب قانون الصمت . تستطيع دكتاتورية أن تقاوم في بعض الحالات جماعات الجريمة المنظمة ، فلقد كاد موسلّيني ينجح في إقتلاع المافيا حين لم يأخذ بعين الإعتبار جمع الأدلّة و إقتصر على رمي أفرادها في السجن بلا عقلانيّة.
بطبيعة الحال لا يمكن السّماح بولادة أساليب تعسّفيّة خاضعة للسلطة التقديرية كتلك التي استعملها موسليني لمقاومة المافيا، لكوننا دولة قانون ما لبثت أن نشأت في ظروف في غاية الصعوبة. يجب إذا تخصيص برنامج يراعي خصوصيات المافيا المرادِ الإطاحة بها .
توجد في هذا المُلحق الإجراءات التي إتخذتها الحكومة الإيطاليّة مستندةً إلى خبرة عقود في مجال مقامة المافيات العريقة و العالمية . هذه الإجراءات هي مثال عن نجاحٍ إستلهمت منه اللجنة الأوروبيّة لتحقيق برنامج " ضدّ-المافيا "
كان لتكييف تونسي أن يكون أكثر فاعليّة و واقعيّة من برمجنا الوطنيّة المُخصصة لهذا الصدد التي إقتصرت بكلّ بساطة ( أ يعود هذا لنقص في الإرادة ؟ ) على تجميد حزب سياسيّ مُدّعيةّ تجاهل وجود مافيا إزدهرت لسنوات في هيئة " وطنيّة ".
من الضروريّ إذا التخلّي عن هذه التدابير البديهية و التقليدية غير المجدية، و تعويضها ببرنامج واضح و فعّال.
النموذج اليطالي هو مخصّص للمافيا الإقليميّة بالتأكيد ، و لكنه مبنيّ على هيكل عام نستطيع تماما الإستفادة منه نظرا للتشابه بين الجهازين الذين يقاومهما البلدان.
وجهة النظر هذه لا تستند سوى على الترجيح، إذًا إن كان لديكم تعليقٌ للإدلاء به لا تبخلوا بذلك فرأيكم يهمّنا!
لا تمثّل هذه الوثائق معلومات موثوق منها ، لذا وجب إتخاذها بحذر.
هالة خليف




Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire